/مبادئ تصميم الألعاب – الجزء الثاني

مبادئ تصميم الألعاب – الجزء الثاني

كما قلنا سابقًا، أنه يمكنك صنع لعبة بدون أن تكون مبرمجًا وإنما عليك تحديد مكوناتها بالتفصيل وهي ما يعرف بتصميم اللعبة Game Design .. وتحدثنا أيضًا عن أفكار الألعاب وطريقة توثيقها حتى لا تنساها أو تتمكن من عرضها على آخرين ليساعدوك في صنع هذه اللعبة. سنتحدث اليوم عن هذه المكونات بشكل أكثر تفصيلاً وطريقة توثيقها أيضًا وكذلك تحسينها.

عندما تسأل عن لعبة فإنك تبحث عن فكرتها وربما قد لا تعجبك الفكرة لأنها مجردة… ولكن إن كنت من عاشقي الألعاب أو الـ Pro Gamers ستتعمق أكثر، وهنا ستصطدم بعالم اللعبة وهو ما يجذب فئة كبيرة من اللاعبين. فعالم اللعبة يحدد ملامح الفكرة بشكل كبير ومؤثر. فإن كانت اللعبة ناجحة، فغالبًا ما يكون عالمها مميزًا ويناسب الفكرة كأنهما وجهان لعملة واحدة.

ما هو عالم اللعبة؟

سؤال بسيط جدًا .. عالم اللعبة Game World هو البيئة المحيطة باللاعب ويحوي كل ما سيتفاعل معه اللاعب ولا يستطيع اللاعب الخروج عن قوانينه. فعالم اللعبة هو كدائرة سحرية لا يمكنك الخروج منها أو كدائرة لعبة السومو إن خرجت منها تخسر اللعبة. وكأي عالم، لا بد أن يحتوي عالم اللعبة تحديات لجعل اللعبة أكثر صعوبة ويعطي اللاعب حافزًا للمنافسة فيه. وإن كان العالم بلا تحديات سيمل الناس منه ومثال على ذلك لعبة “إكس أو” Tic-tac-toe، فبمجرد فهمك لطريقة الفوز فيها تصبح اللعبة مملة جدًا. وباختصار، فعالم اللعبة هو فضاء افتراضي أو عالم خيالي حيث تُحكى فيه قصة اللعبة Game Story؛ ولكن في هذا العالم توجد سماحية بالخطأ فهو ليس “دائرة سحرية” حرفيًا ووظيفة مصمم اللعبة هو تحديد مقدار هذه السماحية ومساعدة اللاعبين على تخطي هذه الأخطاء في البداية.

خريطة عالم سلسلة The Witcher
خريطة عالم سلسلة The Witcher

مكونات عالم اللعبة

والآن بعدما تحدثنا عن عالم اللعبة، نحتاج أن نحدد عناصره المختلفة. وهنا يأتي السؤال، ما هي مكونات عالم اللعبة؟
هناك مكونان أساسيان لهذا العالم وهما الحدود والإعدادات وسنستعرض أولاً الحدود Boundaries.
والحدود هي منطقة غير مسموح للاعب باللعب فيها، فمثلاً في كرة القدم هناك حدود للملعب لا يمكن اللعب خارجها بالكرة. ولذلك فالحدود جزء من قوانين اللعبة وهي الجزء الأهم لأنها ثابتة نسبيًا.

ثانيًا الإعدادات Game Settings، وكما ذكرنا في المقال السابق أنها ليس الإعدادات التقنية الخاصة باللعبة (كالصوت والإضاءة …إلخ)، الإعدادات هي قوانين أيضًا في اللعبة ولكن على عكس الحدود التي قوانينها ثابتة، فالإعدادات قوانين يمكن التلاعب بها. والإعدادات تتعلق بعالم اللعبة الأساسي ويمكن تعريفها على أنها الأساس الذي تُبنى عليه القصة أو الحبكة أو بمعنى آخر هي الخطوة الأولى في طريق القصة. ولتحديد هذه الإعدادات، لا بد من وجود سبب منطقي لطبيعة الأشياء في عالم اللعبة لأنه لا يمكن أن كل شيء يحدث فيه صدفة. لا بد من وجود أساس ومنطق لها، ولا بد أن تُصمَم.
لذلك توجد عوامل كثيرة تؤثر في إعدادات عالم اللعبة وهذه الإعدادات بدورها ستؤثر في الشخصيات وخلفياتهم وحواراتهم وتصرفاتهم. فهذه الإعدادات ستُبنى عليها آليات اللعبة فيما بعد.
ومثال على ذلك، فلننظر إلى لعبة الشطرنج؛ لها حدود وهي القوانين والتحركات المسموح بها، ولكن يمكن اعتبار تلك التحركات جزءًا من إعدادات اللعبة حيث يُبنَى على خطط في اللعبة واحتمالات لا نهاية لها.

اختيارات الشخصية والتي ستبنى عليها سير الأحداث - The Witcher 3: Wild hunt
The Witcher 3: Wild Hunt

– اختيارات الشخصية والتي سيُبنى عليها سير الأحداث لا بد أن تأخذ بعين الاعتبار تنويع الإعدادات واختلافها لأن ذلك مهم بالنسبة للاعبين؛ وإليك مثال لعبتا Starcraft و Warcraft (وهما من إنتاج نفس الشركة)، في الأولى أنت في الفضاء الخارجي بينما في الثانية على أرض خيالية من البشر والأورك Orcs المتحاربين. ولكن في الأولى يوجد الأرضيون (البشر) ومخلوقات فضائية أخرى ألا وهي الزرغ Zerg والبروتوس Protoss. المهم في الموضوع هو أن بعض اللاعبين يحبون واحدة ولا يحبون الأخرى لأن الإعدادات مهمة بالنسبة لهم. وهنا تختلف الآليات لأن ما يحدث في عالم خيالي (فانتازيا) قد لا يحدث في الفضاء والعكس صحيح. ولكن لاحظ أنه كلما تفاعل اللاعب مع اللعبة أكثر فإنه سيقضى وقتًا أطول يلعبها وسيندمج معها أكثر فأكثر، وبالتالي سبتدأ الإعدادات بالتلاشي. وإن فكرت في الموضوع، فستجد أنك في بداية أي لعبة تعير انتباهك للسرد والإعدادات. وبمرور الوقت تصبح أفضل وأسرع وتبدأ تلك الأشياء بالتلاشي؛ وهذه قاعدة هامة جدًا وهي ليست بالضرورة شيء سيء.

سرد القصة

القصة مهمة لكثير من اللاعبين فبعضهم انجذب للألعاب بسبب القصة. وهنا سنتحدث عن ما يسمي ب Design/Play/Experience Framework ويعرف اختصارًا ب DPE. كما ترى في الصورة، يتكون من ثلاثة أعمدة – التصميم واللعب والخبرة – وثلاثة صفوف ولكن ما يهمنا الآن الصف الأول: القصة.

Notes-03.01-DPE-Framework

كما تلاحظ هناك ما يسمى “قصة المصمم” Designer’s Story وهي قصتك أنت للعبة حيث تسرد ما يريد أن يحدث في اللعبة، وهناك “سرد القصة” Storytelling وهو ما يُعرض أمام اللاعبين، و”قصة اللاعب” Player’s Story وهي خبرة اللاعب واختياراته في اللعبة وما يحدث له.

والآن إلى السؤال الأهم، ما هي أسس القصة وما الذي يجعلها جيدة؟
الجانب الأول من القصة هو المصداقية، فكما قلنا سابقًا لا بد أن تكون الأشياء منطقية، فإن كانت القصة لا يصدقها عقل – غير مترابطة – فلن يستمر أحد معها. فيجب أن تكون قابلة للتصديق كفاية حتى تقنع اللاعب بالاستمرار. بمعنى آخر لا بد أن تكون متماسكة لا متفككة أو تعسفية؛ وهذا هو الجانب الثاني من القصة. والجانب الثالث هو مغزى القصة. ولاحظ أن الثلاثة جوانب متصلين ببعضهم البعض.

الكثير من اللاعبين يهتمون بالإعدادات وطريقة اللعب …إلخ، ولكن هناك من يهتم بالقصة أيضًا. وإن كانت القصة غير مترابطة، فسيشعر بخطأ ما ويبدأ بالنفور قليلاً من اللعبة. وكما قلنا سابقًا، ليس شرطًا أن تكون القصة جديدة أو فريدة من نوعها حيث أنه ليس ضروريًا أن تبتكرها وحدك، ولكن اجمعها من القصص أو الكتب أو التلفاز …إلخ. هل تحتاج اللعبة إلى راوٍ؟ ولمَ لا تشاركها مع زملائك أو أصدقائك. لماذا لا تتمعن في القصص الأخرى، وترى ما يجذبك إليها وتحاول تقليدها.

أما بالنسبة لطريقة سرد القصة، فثمة طرق عدة للسرد… من أشهرها استخدام شخصية الراوي (وعادةً ما تكون شخصية في اللعبة غير البطل) حيث تشرح الأحداث من منظور غير منظور البطل وقد تكون شخصية الراوي هي البطل وبالتالي فإنه يشرح الأحداث من منظوره وهذه الطريقة منتشرة في الروايات والقصص القصيرة.
طريقة الـ Flashforward وهي تعرض الأحداث بدون راوٍ وقد تكون إما من منظور الشخص الأول First person أو الشخص الثالث Third person.
طريقة الاسترجاع الفني Flashback وهي تعرض الأحداث على هيئة ذكريات إما للبطل أو للشخصيات وعادةً ما تستخدم مع طريقة الـ Flashforward.

الحبكة

الحبكة من أهم الأجزاء في القصة وقد تكون الأهم على الإطلاق حيث أن لها علاقة وثيقة مع الإعدادات والشخصيات. وقد تحدثنا سابقًا عن الإعدادات وهي تمثل جزء كبير من عالم اللعبة فهي تمثل الخلفية الدرامية ومقدمات الحبكة.
الحبكة دورها هو التنقل جوهريًا عبر المناطق الخطرة من القصة وأثناء مواجهة عشرات الاحتمالات المتفرعة لاختيار الطريق الصحيح. وببساطة الحبكة هي اختيار الكاتب للأحداث في تصميمها في الوقت المناسب. وهي أيضًا قصة المصمم، والتي تريد أن ترويها في اللعبة.
ولكن “ما هي الحبكة التي تريد سردها؟” – الاقتباس من جون غاردنر John Gardner في كتابه فن الخيال The Art of Fiction – ويقول أيضًا “يوجد 39 حبكة فقط”. ونستنتج من هذا أن الحبكة هي ترتيبات مختلفة لمجموعة من الشخصيات والإعدادات. ولذا من المؤكد أنك تستخدم حبكة قد استخدمها العديد من الناس قبلك. عندما تصبح في بداية الطريق، فالتقليد هو أصدق أشكال الإطراء؛ بمعنى أنه لا عيب في استخدامك لحبكة أو شخصية أو حتى آلية استخدمت قبلاً. ولذلك يمكن القول بأن لعبتك الأولى هي نسخة من لعبة تقليدية.
إن أردت البدء فعليك بقراءة قالب القصة “Story Spine” من تأليف كين آدامز حيث أنه سيساعد على رواية الأحداث. وسيساعد على التركيز على تفاصيل القصة بغض النظر عن عملية التأليف.
ويمكنك أيضًا مراجعة أصدقائك وزملائك .. لمَ لا تقرأ قصصًا قصيرة وروايات وتحاول أن تقلدها أو حتى تحولها لقصة لعبة – عن طريق توثيق القصة وسنتحدث عنه لاحقًا.

الشخصيات

الشخصيات جزء أساسي من القصة وربما هو يشدك إلى اللعبة. تمثل الشخصيات عنصر الخيال (الفانتازيا). قدرة الشخصيات هي أن تتحكم في أنواع أخرى، ولكنها أيضًا تحدد جمهورك. فمثلاً ماريو يختلف عن دوك نوكيم وعن لارا كروفت من تومب رايدر وعن شخصيات من أنواع أخرى؛ بمعنى أنه ببنائك للشخصيات فإنك تختار أنواع من جمهورك. وأيضًا تختار عالم خيالي يتناسب مع هذه الشخصيات. فالشخصيات هي الجسر بين عالم اللاعبين وعالم اللعبة؛ فهي حرفيًا تمثل تجسدهم في عالم اللعبة.

فلنقِ نظرة على تاريخ الشخصيات في الألعاب. في عام 1985، كانت التقنيات صعبة الاستخدام وقليلة ولذا كان التركيز على طريقة اللعب Game play حيث كان المصممون مقيدون. كانت الشخصيات أبعاد الرسومات صغيرة ولذا كانت الشخصيات أبسط ما يمكن، وكمثال على ذلك شخصيات مثل ماريو وباك مان. كانت الشخصيات تظهر في حالة واحدة ونادرًا ما تجد تحريك Animation لها.
بدأت الألعاب بالتطور من الآركيد Arcade للمنصات الأخرى مثل أتاري Atari فأصبح القصة أطول وزادت إمكانية إثراء الشخصيات أكثر فأكثر. زادت أبعاد الرسوم فأصبح المصممون يمتلكون إمكانية أكبر لتطوير الشخصيات من خلال الرسم والدوافع.
تطورت الشخصيات أكثر عند ظهور منصات متطورة أكثر مثل البلاي ستيشن، بإضافة الصوت أصبحت الشخصيات أكثر تفاعلاً وعمقًا.

بعدما تحدثنا عن تاريخ الألعاب، يأتي السؤال الأهم وهو ما هو نوع الشخصية؟ والإجابة عن هذا السؤال مهمة جدًا لأنه سيحدد أبعاد الشخصية فيما بعد.
أول نوع هو شخصية اللاعب: وغالبًا لا ترى وجهها وفي هذه الحالة تكون اللعبة من منظور الشخص الأول\. وأحيانًا تتحدد الشخصية على أساس اللاعب نفسه، ولكن هذا ليس ضروريًا فيمكن للمصمم أن يجعلها مقيدة بالخيارات المفروضة عليه.
ثاني نوع هو شخصية محددة مسبقًا (ويعد الوجه الآخر للنوع الأول): وهي شخصية ابتكرها المصمم وترى وجهها غالبًا ولكن قد تكون اللعبة من منظور الشخص الأول أو الثالث. وكذلك ليس ضروريًا أن تكون مقيدة بالمصمم فربما تكون تحت تصرف اللاعب. ومن هذا النوع على سبيل المثال ماريو وناثان دريك (بطل سلسلة Uncharted) وجيرالت (بطل سلسلة The Witcher وهو تحت تصرف خيارات اللاعب نفسه غالبًا).
ثالث نوع هو الشخصية غير اللاعبة وهذه قد تكون عدوًا أو حليفًا ومرشدًا… إلخ. وهي شخصية ابتكرها المصمم من الألف إلى الياء ولا يمكن للاعب التحكم بها (إلا إذا كانت اللعبة تسمح بذلك) وتتنوع مهام هذا النوع حسب دوافعها.

بعدما حددت نوع الشخصية، لا بد وأن تحدد دورها. وبناءً على هذا الدور لا بد أن لها دوافع مبنية على تاريخها. ولا بد أن يكون لها عمق حتى تستطيع قادرة على التفاعل مع اللاعب لأنه ببساطة لا يمكن توقع تحركات ونوايا اللاعب بدقة. وأثناء توثيقها يمكنك أن تكتب حوارًا للشخصية حتى تثبت الفكرة. ليس بالضرورة أن يكون حوارًا طويلاً بل يمكن أن بعض الفقرات أو السطور. إلى جانب ذلك، تحتاج إلى تصور عن قصة الشخصية في اللعبة Storyboard وتحركاتها. ولا تنسى أهم شيء وهو اسم شخصيتك، لأنه سيبقى في الذاكرة أكثر من أي شيء لها (مثل لارا كروفت وسونيك القنفذ… إلخ).

بعد تجهيز شخصيتك كتابيًا، لا تنسَ تجهيزها فنيًا وبعض الناس لا تهتم بهذه التفاصيل؛ ولكنها مهمة. ربما تستطيع وصف الشخصية ولكن الأفضل من ذلك هو رسمها… ستقول أنك لست رسامًا بارعًا… ولكن يمكنك أن ترسم رسمًا تصوّريًا (كروكي) وتطلب من أحدهم تحسينه فيما بعد؛ ويطلق على هذا الرسم الأوَّلي Concept Art. قد تسأل عن فائدة هذا الرسم، والإجابة تكمن في علاقة مظهر الشخصية بجوهرها (على سبيل المثال المحارب والقائد زيهما متشابهان ولكن بينهما اختلافات مهمة).

Concept Art of Lara Croft: Tomb Raider
Concept Art of Lara Croft: Tomb Raider

توثيق القصة

كما أوضحت سابقًا ضرورة التوثيق حتى لا تنسى أي فكرة وحتى تتمكن من شرح التفاصيل لزملائك. أولاً عليك أن تضع جدول محتويات (فهرس) للملف. ثانيًا عليك كتابة قصة مختصرة للعبة. ثالثًا عليك كتابة ومناقشة جميع الشخصيات اللاعبة إن أمكن (تاريخ، صورة مرسومة إن أمكن، دوافع). رابعًا عليك كتابة ومناقشة جميع الشخصيات غير اللاعبة إن أمكن. خامسًا عليك توضيح جميع إعدادات عالم اللعبة (المكان، سبب وجوده، ارتباطه بالأشياء والأشخاص). سادسًا يمكنك إضافة بعض عناصر الحكي الأخرى مثل المعدات أو المخلوقات غير اللاعبة أو حتى تاريخ عالم اللعبة.
يمكنك تحميل القالب من هنا.

مثال على عالم اللعبة:

[youtube https://youtu.be/NB_1hGDuG58&w=640&h=385 ]

مثال على الإعدادات:

[youtube https://youtu.be/jUtsy7AUPBs&w=640&h=385 ]

مثال على القصة:

[youtube https://youtu.be/R20-MOOZPpY&w=640&h=385 ]

مثال على الشخصيات:

[youtube https://youtu.be/hvH2oa2xc8o&w=640&h=385 ]

المراجع

Principles of Game Design – Coursera (Week 2)

وإن كنت تود الانخراط في المجال أنصحك بالالتحاق في هذه الدورة Course وبالإضافة إلى قراءة المقالات المرفقة معها.