/الكمبيوتر من البداية إلى المالانهاية – الجزء الأول

الكمبيوتر من البداية إلى المالانهاية – الجزء الأول

قد يبدو للبعض أن أجهزة الكمبيوتر (الحواسيب) التي نراها في حياتنا اليومية قد تطورت ووصلت إلى ما هي عليه الآن بعد عشرات السنوات فقط، وأن طبيعة ذلك التطور كانت بسيطة وغير مُعقدة، لكن الحقيقة أن أجهزة الكمبيوتر قد تطوَرت بوتيرة تستعصي على الفهم أصلًا، وأنّ طريق التطوير قد مُهد بشكلٍ غير مقصود عن طريق بعض الاكتشافات الأخرى – التي قد لا تخُص مجال علوم الحاسب – سنذكُر أهم تلك المراحل التي وصلنا من خلالها إلى ما نراه الآن، وسنستعرض في هذه السلسلة تاريخ هذا الابتكار العملاق، وفي هذا المقال سنتحدث عن أول مرحلة في تاريخ الكومبيوتر.

إنّ العقل رُبما لا يُسعفنا لفهم كل مراحل تطوّر هذا الابتكار بشكل تفصيلي، ورُبما لا تُتيح لنا سلسلة قصيرة من المقالات تلك المساحة لسرد كل مرحلة وما أحاط بها من عقبات، لكنها مُحاولة للإلمام بتاريخ هذا الابتكار وحتماً سنُهمل بعض المراحل – ليس لقلة أهميتها – وإنما لأنها تلمس جانباً علمياً بحتاً قد لا يهتم به إلا المختصون فقط.

الإصدار الصفري (Generation Zero) – آلة الحساب الميكانيكي

قديمًا وقبل خمسمائة عام استخدم رجل أعمال أوروبي العداد كأول جهاز ميكانيكي للحساب واستخدم فيه الأرقام الرومانية لتسهيل العمليات الحسابية التي يقوم بها، وبعد فترة وبالتحديد بعد اختراع النظام العشري للأرقام، تمكّن البعض من تطوير أكثر من عداد آخر للحساب باستخدام الأرقام العشرية وكانت تلك الأجهزة أكثر سرعة ودقة من السابق، وبالطبع كانت كلها أجهزة ميكانيكية يدوية.

لكن تلك العدّادات لم تُلبِّ كل الاحتياجات الحسابية ولم تُمثل نقلة نوعية في الحوسبة الميكانيكية، وإنما يرجع الفضل التاريخي في اختراع أول آلة حساب ميكانيكية حقيقية لعالم الرياضيات الألماني فليهلم شيكارد Wilhelm Shickard، حيث استطاع تطوير أول جهاز قادر على إجراء عمليتي الجمع والطرح كُلًا على حِدة، لكنه لا يستطيع التعامل إلا مع الأعداد التي تتكون من ست خانات فقط.

وكما يقولون أن الحاجة أم الاختراع، ففي عام 1642 قام شاب فرنسي يُساعد والده في عمله الضريبي ويُدعى بليز باسكال بتطوير آلة حساب ميكانيكي أخرى تُسمى باسكاليان The Pascaline، وهذه الآلة تميّزت عن آلة شيكارد في أمرين الأول: إمكانية إجراء عملية جمع وطرح كلاهما معتمد على الآخر، لأن عملية الجمع فيها تتم بشكل مُباشر وعملية الطرح تتم بطريقة جمع المُكمل العددي والثاني: في كونها اعتمدت النظام العشري، مما جعل تصميم باسكال يُكتب له الاستمرار ما يزيد عن ثلاثمائة عام وحتى بداية القرن العشرين.

بعد ذلك استطاع عالم الرياضيات الألماني لايبنتز Leibniz اختراع آلة حساب عُرفت باسم Stepped Reckoner وكان من الممكن استخدامها لإجراء العمليات الحسابية الأساسية الأربعة، الجمع والطرح والضرب والقسمة، وكانت تلك نقلة أخرى إلا أن باسكاليان كانت الأكثر استخدامًا.

استمر استخدام باسكاليان حتى نهاية القرن العشرين وصاحب ذلك ظهور العديد من الآلات الحاسبة في القرن التاسع عشر، ولعل أكثرها شُهرة على الإطلاق تلك الآلة التي طوّرها العبقري تشارلز بابيج Charles Babbage المُلقب بأبو الكمبيوتر وقد أطلق عليها اسم Difference engine، وقد قام بابيج بتصميم هذه الآلة في عام 1822 لحل معادلات الدوال كثيرة الحدود.

والعجيب أنه بالرغم من أن كل الآلات السابقة لم تُبرمج ولم تحمل ذاكرة وكان جميعها يتطلب تدخُلًا يدويًا في كل خطوة، إلا أنها كانت طفرة في ذلك الوقت وتعددت استخداماتها وأصبحت عصبًا رئيسيًا في عمليات الحساب لا يُمكن التخلي عنه.

في عام 1833 وقبل وفاته وضع بابج نواة لاختراع جديد وهو آلة Analytic engine، وقد كان لها استخدامات أكثر بكثير من آلته السابقة Difference engine، فقد كان لها القدرة على القيام بأي عملية حسابية أيًا كانت، وأهم ما ميّزها هو احتوائها على العديد من مكونات الكمبيوتر الحديث مثل:

1. Arithmetic Processing: وحدة المعالجة الحسابية لإجراء العمليات الحسابية.

2. Memory: الذاكرة التي يتم تخزين البيانات فيها.

3. Input / Output Devices: أدوات الإدخال والإخراج .

وقد زود بابيج آلته بخاصية استخدام ناتج أي عملية حسابية في عملية أخرى تالية مهما كانت تلك العملية.

بعد ذلك استطاعت آدا لوفلايس Ada Lovelace أن تُدون اسمها وتُصبح أول مُبرمجة في التاريخ بوضعها أول برنامج لجهاز حاسوبي وهو آلة بابيج Analytic engine، وقد اقترحت آدا أيضاً أن يتم استخدام نظام عد ثُنائي بدلاً من النظام العشري إلا أنه ظلّ في حيّز الاقتراح.

واستطاع جاكار Jaquard استخدام ما يُعرف بـ Punched cards لتخزين جميع البيانات عليها داخل الجهاز.

وفي آخر النصف الثاني من القرن التاسع عشر أطلق هيرمان هولليريث Herman Hollerith الشركة التي صارت فيما بعد العملاقة IBM والتي كانت المصدر الرئيسي لتصنيع Punched cards.

هنا كانت بداية الولادة الحقيقة للكمبيوتر، وما سبق يُمكن اعتباره مرحلة المخاض التي لابد أن تسبق كل ميلاد جديد، هنا بدأ العالم يعرف الحوسبة التي نعرفها، لذا لابُد أن نتوقف قليلاً عند هذه الآلة، لأنها تُعتبر المحور الأول في تحوّل مسار الكومبيوتر من المسار الميكانيكي إلى مسار الثورة المعلوماتية التي نشهدها اليوم.

المراجع:

1. Computer Organization and Architecture by Linda Null and Julia lobur.

مُدوّن مُهتم بعلوم الحاسب ونظريات التحكم.