/تعلّم كيف تتعلم – الجزء الرابع

تعلّم كيف تتعلم – الجزء الرابع

لكل إنسان قدرات خاصة يتميز بها عن غيره

البعض يمتلك القدرة على التركيز الشديد و الوصول إلى حلول سريعة للمعضلات، البعض الآخر يمتلك قدرة عالية على الحفظ السريع، آخرون يمتلكون القدرة على الإبداع و خلق أفكار مبتكرة لحلول أكثر كفاءة.

كل عقل يحمل من المميزات بقدر ما يحمل من العيوب.

من يستطيع حل المعضلات بسرعة قد يمتلك قدر من النمطية يمنعه من الإبداع حيث ينشغل المخ في تدوير ما يسمى بالقطع أو ما سميناها سابقاً بـ Chunks المعتادة لحل تلك النوعيات من المشاكل و ينحصر تفكيره في نقاط محددة و ينشغل عن إيجاد حلول مبتكرة قد تكون أكثر كفاءة من الحلول التقليدية.

من يستطيع الحفظ سريعا قد لا يهتم بفهم كل ما حفظ لاعتماده الشديد على سرعة الحفظ و تغليبها على الحفظ عن طريق الفهم و قد ذكرنا سابقا أن الفهم يعين على حفظ و تثبيت المعلومة, لهذا يلجأ من لا يملك سرعة في الحفظ إلى محاولة الفهم الجيد أولا لما سيقوم بحفظه مما ينمي قدرته على الفهم و الاستنباط.

من يمتلك القدرة على توليد الأفكار و الإبداع قد لا يمكنه الاحتفاظ بتركيزة لفترة طويلة فيشرد ذهنه أثناء محاولة فهم و توليد الأفكار الجديدة مما يطيل من عملية التفكير و لكنه يسمح لذهنه بإشراك مناطق مختلفة من المخ في التفكير و استلهام الحلول من البيئة المحيطة و الدخول لفترة وجيزة في Diffuse Mode مما يساعده على تكوين روابط عشوائية تخرج بحلول غير معتادة .

لذا فمفهوم الذكاء نسبي و لكن الأكيد أن الإنسان يستطيع رفع مستوى ذكاءه بالتدريب, علمنا سابقا تقنيات تساعد على سرعة الحفظ و تقنيات تساعد على سرعة الاستيعاب و رفع مستوى الذكاء و علمنا أن ال Diffuse Mode يساعدك على الابداع و استيعاب الأفكار الجديدة تماما و تعلمها.

تعرف على مميزاتك و طورها و تعرف علي عيوبك و تغلب عليها


 سانتياغو رامون إي كاخال:

سانتييجو رايمون كاهال, المراهق الجامح الذي أصبح الأب الشرعي لعلم ال Neurosciences الحديث

سانتييجو رايمون كاخال, المراهق الجامح الذي أصبح الأب الشرعي لعلم ال Neurosciences الحديث 

وُلِدَ سانتييجو رايمون كاخال في أسبانيا عام 1852, كان منذ صغره طفلا مشاكسا مثيرا للمشاكل يصعب السيطرة عليه, وصل به الأمر إلى أنه دخل السجن في سن 11 عاما بعدما حطم سور حديقة جيرانهم باستخدام مدفع بدائي صنعه في منزله

 

كان نتيجة سلوكياته المتمردة أنه أخذ في الانتقال من مدرسة إلى أخرى و كمحاولة للسيطرة عليه ألحقه والده ليعمل عند صانع أحذية مرة و عند حلاق مرة أخرى و لكن بالطبع لم تفلح تلك المحاولات و لم يستقر بأي مكان يلتحق به.

 

كان سانتييجو رغم هذا مولعا بالرسم و رياضة الجمباز و لكن والده لم ير فيه إلا ذلك الشاب المشاغب الفاشل دراسيا, كمحاولة أخيرة لانقاذ الوضع و لفت انتباهه لأي تخصص ألحقه والده بالدراسة في كلية الطب في زاراجوزا بأسبانيا حيث كان يعمل بها محاضرا لعلم التشريح. اصطحبه والده في البداية إلى المقابر ليجمع العظام المتخلفة عن الموتى من أجل دروس التشريح ثم يقوم برسمها و رسم الهيكل العظمي لجسم الإنسان كجزء من تلك الدروس.
 

يبدو أن ولع سانتييجو بالرسم قد وافق هواه مع رسم الأجزاء البشرية في علم التشريح فراقه الأمر و انتظم في دراسته و أكمل دراسة الطب عام 1873 ثم التحق بعدها بالعمل كطبيب في الجيش الأسباني. حصل سانتييجو على الدكتوراة من جامعة مدريد ثم عمل كمحاضر في علم التشريح بجامعة فيلينسيا ثم حضل على الأستاذية من جامعة برشلونة ثم حصل عليها أيضا من جامعة مدريد.

 

في جامعتي زاراجوزا و فيلينسيا عمل على أبحاث الالتهابات و مرض الكوليرا, انتقل بعدها لجامعة برشلونة و هناك تحول اهتمامه للنظام العصبي المركزي في جسم الإنسان و بدأت أبحاثه تثري علم الأعصاب بشكل كبير حتى أن أبحاثه كونت القاعدة الصلبة لعلم ال Neurosciences الحديث و بنيت عليها الكثير من الأبحاث المتقدمة في ذلك العلم فيما بعد. حيث اكتشف الكثير عن عمل المخ و الخلايا العصبية و شبكات الأعصاب في النظام العصبي و طور نظريات هامة في هذا الشأن

 

نال جائزة نوبل على اكتشافاته في علم الأعصاب سنة 1906 بالإضافة إلى العديد من الجوائز الأدبية و المعنوية من عدة جهات.

 

ورغم أن سانتييجو لم يكن حاد الذكاء و كان ذكاءه في المستوى المتوسط إلا أنه كان يؤمن بشىء مهم: أن المثابرة و الصبر على التعلم و البحث تستطيع أن ترفع الإنسان العادي لمستوى العباقرة. نتيجة امتلاكه تلك المثابرة استطاع التفوق على أقرانه حيث أسمى مستوى ذكاءه العادي بأنه “نعمة الافتقار إلى العبقرية” ففي رأيه أن العباقرة يستطيعون الوصول إلى نتائج استثنائية و لكن يفوتهم تفاصيل يظنونها غير هامة تصنع فارقا بالاهتمام بها كما أن ذكائهم قد يدفعهم إلى التحيز في إصدار الأحكام و عدم قبول الاعتراف بالوقوع في الخطأ.

 

تلك النقاط التي طور بها سانتييجو نفسه؛ تلك الأخطاء التي يتقبلها و يتعلم منها الكثير و الافتقار إلى الذكاء الاستثنائي الذي كان يدفعه دوما للبحث عن المزيد من المعلومات من مصادر كثيرة و القيام بالكثير من التجارب استطاع عن طريق ذلك أن يحول نقطة ضعفه إلى نقطة تفوق كبيرة جعلته في تلك المكانة.

أحيانا تمتلك نقطة ضعف مع إرادة قوية تستطيع تحويلها إلى نقطة قوة, أحيانا يمتلىء الوسط من حولك بالمثبطات و بالتشكيك في قدرتك على الوصول إلى هدفك. و لكن إرادتك و مثابرتك على العلم و العمل تحول تلك المثبطات إلى محفزات تحفزك للوصول لأهدافك. ربما لم تكن تجد الدافع من قبل و لكن تلك المثبطات تولد عندك رغبة التحدي و الدافع لتحبط قناعات الآخرين الخاطئة التي تدعي عدم قدرتك على الوصول. فتصل رغما عن كل شىء


ما الذي يجعلك تدرك أن المسافة بين الأرض و القمر ليست 10 كم رغم أن الحسابات التي قمت بها تؤكد تلك النتيجة؟ ما الذي يجعلنا نراجع أنفسنا و نحكم على خطواتنا بالخطأ كنوع من التصحيح الذاتي رغم أننا اتبعنا الخطوات الصحيحة بأنفسنا؟ لماذا نقول أننا سهونا من أول وهلة؟كيفية عمل الدماغ

إنه نصف الدماغ الأيمن.

عندما تعمل على حل مشكلة ما -لتكن مشكلة حسابية- يعمل نصف الدماغ الأيسر جاهدا للوصول لحل تلك المشكلة متبعا القواعد و القوانين اللازمة, بينما نصف الدماغ الأيمن يقف كحارس للمبادىء العامة التى تحكم طبيعة تلك المشكلة.

حينما تنتهى من حل المشكلة سيقول نصف دماغك الأيسر “الموضوع انتهى, المشكلة اتحلت, كل شىء تمام, يلا نمشي”, بينما سيقول نصف الدماغ الأيمن “كلا لم ينته الأمر بعد, دعنا نجري مراجعة على الحسابات, قد يكون هناك خطأ ما”.

فهم المبادىء العامة و المفاهيم الأساسية فهما جيدا, مع ادراك أنك معرض للوقوع في الخطأ يفسح المجال لنصف الدماغ الأيمن كي ينتصر في هذا الجدل الداخلي ويدفعك لمراجعة خطواتك والتأكد من صحتها واتساقها مع الحقائق.

 

أكثر اﻷشخاص الذي بإمكانك أن خديعتها هي نفسك، لذلك تأتي القاعدة اﻷولى: لا تخدع نفسك!

– ريتشارد فينمان

لكن دعنى أخبرك يا صديقي أنك حتى مع اتباعك تلك النصيحة … ستقع في الخطأ, سيكون لديك نقاط ضعف لا يمكنك تغطيتها … إذا فما الحل؟؟؟

 

الحل … العمل الجماعي.


العمل الجماعي وثقافته في المجتمع:

أعلم أن ثقافة العمل الجماعي و المذاكرة الجماعية و جلسات العصف الذهني ربما لا تكون سائدة -أو محبذة- خاصة في مجتمع الطلبة وسط البيئة التنافسية التي تدفع البعض للاحتفاظ بمصادر المعلومات لنفسه كي يتفوق على الآخرين.

ربما تستطيع التفوق على الآخرين حقا, ولكن لن تستطيع التفوق على نفسك بدون مساعدتهم. يُقَال أنك إن تكن متساويا مع الآخرين في مجتمع من الأذكياء أفضل من أن تكون متفوقا في مجتمع من الحمقى

اختر مجموعة عمل تعلم منها الجدية و الاهتمام و الشغف بما ستجتمعون للعمل عليه. اجتمعوا في بيئة تساعد على المذاكرة وليذاكر كل شخص منكم الجزء الذي حددتموه مسبقا وحده قبل أن تجتمعوا. قسموا الجزء الذي اجتمعتم للعمل عليه إلى أجزاء وكل منكم يتولي جزء يدير جلسة مناقشة وعصف ذهني حوله. لتفصل فترات زمنية قصيرة بين الجلسات لتستريحوا فيها وتتسامروا قليلا لتجديد النشاط.

 

إذا رأيت من المجموعة عدم الجدية أو الاستغراق في الأحاديث الجانبية أو عدم تحضير الجزء المقرر العمل عليه … انه الجلسة وابحث عن مجموعة أخرى أكثر التزاما وجدية في العمل.

 

خلال تلك الجلسات: سترى في مناقشتهم عيوبك بوضوح, ستتحطم مفاهيم خاطئة كنت تظنها صحيحة وتنبني مفاهيم صحيحة بدلا منها, سترتفع ويرتفعون معك والأهم من ذلك … ستتعلم ما لم تعلمه لك الأسطر في الكتب.