/تعلّم كيف تتعلم – الجزء الثانى

تعلّم كيف تتعلم – الجزء الثانى

تمهيد

فى المقال السابق تحدثنا عن معرفة أنماط التفكير وعلاقة النوم بالتفكير ومشاكل التسويف والموهبة وتغيير مجال العمل أو الدراسة وبيان صحة ذلك من عدمه، كما تحدثنا عن بعض أنواع الذاكرة  فى الإنسان. فى هذا المقال سنتناول كيف يقوم المخ بتكوين روابط بين الأفكار الجديدة و المبادىء القديمة التى يعرفها أثناء المذاكرة  و تمتد الروابط لتكوين ما يُسمى بالـ Chunks وهي بناء معلوماتي يتمحور حول موضوع معين أو مهارة معينة و ترتبط فيه الأفكار بعضها ببعض بحيث يسهل تذكرها و استذكارها.

تخزين المعلومات داخل مخ الإنسان ليس مثل تخزين المعلومات داخل شرائح الذاكرة Flash Memories. يخزن المخ ما تتعلمه من مفاهيم جديدة عن طريق تكوين روابط عصبية بين خلايا المخ و تختلف الروابط باختلاف المهارات. فالروابط العصبية لمخ لاعب الشطرنج ليست كالروابط العصبية لمخ الرسام أو لاعب الكرة أو عالم الفيزياء … إلخ.

هناك في علوم الحاسب ما يُسمى بالـ Data Compression وهو تقليل الحيز الذي تحتله البيانات في الذاكرة لاستفادة أمثل من الذاكرة المتاحة في الـ Computer System.

إحدى وسائل تقليل حجم البيانات هو الاحتفاظ بالفوارق بينها فقط و ليس البيانات ككل. مثلا لو قلت لك أن تحفظ ثلاثة أرقام في ذاكرتك حالاً وهم 1453466643 و 1453466640 و 1453466646. الطريقة الصعبة أن تأخذ كل رقم و تحفظه على حِدَةٍ. حينها ستستهلك مجهود أكبر في الحفظ و حيز أكبر في ذاكرة مخك.

لكن لو لاحظت أن الأرقام يوجد بينها فوارق صغيرة من مضاعفات الرقم 3 حينها ستحفظ مثلاً الرقم 1453466640 و تنسب الرقمين الآخرين إليه بأن تتذكر فقط أن أحدهما هو حاصل جمع الرقم الذي حفظته مع 3 و الثاني حاصل جمع الرقم السابق مع 3 أيضًا.

حينها تجد نفسك قد حفظت رقم واحد و بذلت ثُلُث المجهود في الحفظ. عندما تريد تذكر الأرقام ستتذكر رقم واحد و تزود عليه بمقدار 3 فقط. بسيطة

memorize

طيب .. ما فائدة هذا الكلام ؟

هل درست تجويد من قبل؟

عندما أتكلم عن حروف الإدغام بغُنّة … سأقول لك هى (م، و، ي، ن) … هذه أربع معلومات عندما أخبرك إياهم فيجب أن تحتفظ بهم في ذاكرتك المؤقتة و تكررهم حتى تستطيع كتابتهم في ورقة أو الاحتفاظ بهم في ذاكرتك الدائمة.

طيب لو استخدمت أسلوب أكثر ذكاءً في هذا؟ قلت لك أن حروف الإدغام بغنة هي مكونات كلمة “ينمو” كم يلزمك من المجهود للاحتفاظ بهم في الذاكرة المؤقتة؟

أنت في الأصل تعلم كلمة “ينمو” و لكن ستحتاج مجهود قليل للربط بأن تلك الكلمة حروفها هي ذات حروف الإدغام بغُنّة. 

إذًا ما الحجم الذي احتلته تلك الكلمة في ذاكرتك مقارنةً بالحروف مُفردة؟ لو قلنا أن كل حرف استلزم وحدة ذاكرة أي أن الحروف احتلت 4 وحدات لأجل 4 حروف، فإن الحروف مجمعة في كلمة “ينمو” احتلت وحدة ذاكرة واحدة فقط.

إذًا فإن في داخل مخك وسيلة أيضًا لعمل Data Compression للبيانات بحيث تحتل مساحة أقل في الذاكرة و تبقى فترة أطول بكثير عنها إذا ما حُفظت كمعلومة مُجردة غير مربوطة بشىء.

فالمعلومات في المخ هي “بناء تراكمي و ليست مجرد معلومات مفردة. ليست كلها كذلك و لكن المعلومات التى تبقى منها و تثبت هي كذلك و البقية التي لا ترتبط بمعلومة أخرى تكون أضعف و أقل ثبوتًا.

كذلك المعرفة البشرية تراكمية ترتبط ببعضها البعض كالبناء.

lego-build


تكوين chunks

لكي تساعد عقلك على ربط المعلومات الجديدة التى تتعلمها بالمعلومات القديمة التي تعلمتها من قبل يجب عليك البُعد عن أي مشتتات تشتت عقلك أثناء المذاكرة. اغلق التلفاز واغلق متصفح الانترنت و ابتعد عن الضوضاء و ركــــز.

أثناء محاولتك لفهم أمر ما فأنت تستعمل الـ Focus and Diffuse Modes كما ذكرنا من قبل. عندما يبدأ العقل في فهم المعلومات فهما جيدا يبدأ بتكوين الروابط بينها وبين المعلومات القديمة. بالطبع فإن الروابط تتكوّن بين المعلومات المتشابهة، مثلاً عند تعلّم مهارة جديدة في كرة القدم فإنها تترابط مع المهارات القديمة، وحين تتعلم قوانين جديدة في الرياضيات فهي تترابط مع القوانين القديمة … و هكذا.

إذاً فلكي تكون تلك الروابط التي تجمع المعلومات في Chunks فلابد أن؟

نعم … لابد أن “تفهم” المعلومة الجديدة لا أن تحفظها فالفهم للمعلومة وأبعادها يعرف المخ بارتباطاتها بالمعلومات الأخرى. أما مجرد حفظ المعلومة فإن المعلومة حينها تكون مُبهمة للمخ ولا يعرف ارتباطها بالمعلومات الأخرى. سيحفظها المخ في وقت أطول ولن يستطيع تكوين روابط بينها و بين معلومات أخرى.

كنتيجة لعدم الفهم ولأنه لا توجد روابط بين المعلومة ومعلومات أخرى فإن تلك المعلومة مُعرضة للنسيان بسرعة كما أنها تحتاج إلى مجهود أكبر لتتذكرها … فاكر نظرية الجردل؟ النظرية دي صحيحة أنك بتملأ مخك بمعلومات دون فهم و تدخل الامتحان “تدلقها” في ورقة الاجابة و بعد الامتحان … تبهت المعلومات بسرعة و تُنسَى.

Exams

إذًا حِفظك للمعلومة لا يعني بالضرورة أنها ستبقى، معرفتك لكيفية حل المسائل الرياضية لا يعني بالضرورة أنك تفهم الأسس الرياضية من ورائها ولا يعني أنها ستصير جزءً من مهاراتك. يجب أن تفهم كي تبقى المعلومة و تساهم في تكوين مهاراتك بالارتباط بالمعلومات الأخرى.

طيب .. هل تتوقف عملية الفهم و تكوين الروابط عند هذا الحد؟

الآن أنت تفهم المعومة جيدًا كمعلومة مُجردة نتيجة الـ Focus Mode و Diffuse Mode وأيضًا استطاع عقلك تكوين روابط مع المعلومات الأخرى بحيث صارت أقوى و أسهل في الاستدعاء.

لكن .. متى تستخدم تلك المهارة التي تعلمتها؟ هذا عامل مهم جدًا و غيابه يعني نقص في فهم المعلومة فإدراك أهمية ما تتعلم و تطبيقاته هو جزء أساسي و هام من عملية الفهم و التعلّم ذاتها و إن لم يتحقق هذا الأمر فإنك لن تدرك متى تستخدم المعلومة و لن تستخدمها فيما بعد مما يهدد بنسيانها تدريجيًا لصالح معلومات أخرى أكثر استخدامًا.


نستخلص من السابق بعض النصائح لمذاكرة أكثر فاعلية وذكاءً

الجزء الأول: أمور يجب أن تفعلها

أولاً: كما ذكرنا من قبل، ابتعد عن الأماكن التى بها تشويش كبير وابتعد عن المُلهيات.

ثانيًا: لا تنس ما تحدثنا عنه من قبل أنك تستخدم الـ Focus and Diffuse Modes وتعطى نفسك 25 دقيقة من التركيز ثم راحة 5 دقائق.

ثالثَا: إذا كنت تذاكر من كتاب مثلاً فاقرأ ما تذاكره قراءة سريعة جدًا بحيث تتعرف على الفكرة العامة التي يتحدث عنها الموضوع. لا تهتم أن تفهم كل التفاصيل ولا تهتم لما يسقط منك أثناء تلك القراءة فالهدف هو مجرد تكوين فكرة عما أنت مُقدم عليه ويساعدك على تصنيف المعلومة لتكوين الـ Chunks كما ذكرنا.

رابعًا: قسّم ما تذاكره إلى أجزاء ثم بعد مذاكرة كل جزء أغلق الكتاب وحاول أن تسترجع في مخك أهم الأفكار التي كان يتحدث عنها هذا الجزء. ثم افتحه و اقرأه ثانيةً لتصحح لنفسك و لتتذكر ما سقط منك وكرر العملية حتى تطمئن أنك استوعبت كل الأفكار في تلك الجزئية. تلك الطريقة أثبتت الأبحاث أنها أفضل الطرق للمذاكرة.

خامسًا: اختبر نفسك دائما ولا تهاب الأخطاء لأنها تساعدك على تغطية النقاط الضعيفة في مذاكرتك.

سادسًا: استخدم الفترات المتباعدة في إعادة مراجعة ما ذاكرته  وغيّر أماكن المذاكرة كل مرة كي تعوّد مخك ألا يرتبط تذكر المعلومة بوجودك في مكان معين.

سابعًا: تجنب الحلول النمطية. حاول أثناء المذاكرة وحل الأسئلة المزج ما بين الأفكار المختلفة وإيجاد أكثر من حل للمعضلة الواحدة بحيث تستخدم مختلف الـ Chunks التى كونتها من قبل وتتعلم متى يتم استخدامها وتتعود على إيجاد حلول غير معتادة للمشاكل المختلفة. بعدها قارن بين الحلول المختلفة و فاضل بينها وانظر أيّ الأفكار كانت أفضل في حل تلك المشكلة.

الجزء الثانى: أمور يجب ألا تفعلها

أولاً: يجب ألا تتجاهل النصائح في الجزء الأول

ثانيًا: لا تحفظ طرق حل المسائل أو الأجزاء التى لا تفهمها جيدًا. غالبًا يمكنك حفظ أي شىء ولكنك ستكون أكثر قابلية للنسيان نتيجة عدم الفهم. سيأخذ منك مجهودًا في التذكر و المراجعة و لن تستطيع تكوين Chunks عن طريق ربطه بالمعلومات الأخرى.

ثالثَا: لا تُوهم نفسك بأنك قد ذاكرت بمجرد قراءتك نص ما أو طريقة حل مسألة وفهمت النص أو فهمت طريقة الحل. ربما تكون قد فهمتها ولكنها لن تثبت بلا ممارسة ومذاكرة حقيقية وليس مجرد قراءة. الأمر أشبه باستخدام Flash Disk لتشغيل مقطع صوت على الحاسوب. بمجرد أن تزيل الـ Flash Disk فيصبح مقطع الصوت غير موجود. كي تحتفظ به يجب أن تنسخه أولاً إلى حاسوبك قبل إزالة الـ Flash Disk.

رابعًا: لا تستسهل مذاكرة ما قد أتقنته فعليًا فإنك بهذا تهدر الوقت وتفوّت مذاكرة الأمور التي لم تتقنها بعد. لا تستسهل ولا تؤجل المقاطع الصعبة من المذاكرة فإن هذا الأمر يكون له تأثير سىء على التناسب بين ثبوت الأفكار في مخك.

تركيزك على مذاكرة أو استخدام فكرة أو مجموعة أفكار بعينها مع تجاهل المهارات الجديدة التي يجب أن تتعلمها و تنميها يصيبك بنوع من النمطية ونقص الإبداع. حيث أن مجموعة الأفكار التي تركز عليها ستكون هي المسيطرة على طريقتك في حل المشكلات وتمنع مخك من استخدام الأفكار الأخرى وبالتالي تمنعك من التوصل لحلول إبداعية للمشاكل المختلفة.

خامسًا: لا تبدأ في خطوات حل مسألة ما أو مشكلة ما بدون أن تحلل أولاً ما الأفكار الأساسية التي يعتمد عليها الحل.


تحدثنا سابقًا عن الـ Chunks وقلنا أن تكوينها يساعد على ترابط المعلومات المتعلقة بموضوع فتصبح وكأنها معلومة واحدة تحتاج أن تتذكر الفكرة الأساسية لها كي ينساب المخ في تذكر التفاصيل. مثل العقد المنظوم.

بناءً على هذا المفهوم … لماذا يمتلك بعض الناس القدرة على حل المشاكل و ابتكار الحلول أكثر من البعض الآخر؟

هل يلزم الإنسان الاهتمام بمجال عمله أو دراسته فقط؟ هل القراءات المتنوعة في تخصصات أخرى مجرد تضييع لوقت ثمين كان من المفترض أن تقضيه في تعميق معرفتك في مجال تخصصك؟

في الواقع فإن السؤال الأول هو إجابة السؤال الثاني.

حينما تُكوّن الـ Chunks في مخك فأنت تكوّن مفهوم عام لحل مشكلة بمعطيات معينة، قد تقابل مشكلة بمعطيات مشابهة عمومًا والاختلاف في المسميات فقط ولكن طريقة علاج كلتا المشكلتين متشابهة.

مثلاً … قد تجد في علم شبكات الحاسب نماذج تصلح كأفكار متبكرة لنظم إدارة العمل في الشركات، وقد تجد في العلوم العسكرية تكتيكات تصلح لأن تُطبق في عالم إدارة الأعمال، و هكذا.

لذا فإنك باطلاعك المتنوع وتجريبك للعديد من القراءات فأنت تُثري عقلك بمكتبة واسعة من الـ Chunks. حين تستخدم Chunk من مجال لتدمج تقنياتها في حل المشاكل في مجال آخر فأنت حينها تفكر خارج الصندوق حقًا.

اجعل لنفسك نصيبًا من القراءة في مجالات متعددة، و تذكر أنك ربما لا ترى فائدة عملية في مجال عملك في تعلم الرياضيات مثلاً. و لكن ثق تمامًا أن عقلك لن يكون كعقل الباقين من الزملاء الذين لم يتعلموها.

كن متعدد القراءات واسع الاطلاع تكن مُبدعًا فريدًا في مجالك.

etc


أحيانًا نتحمس لمذاكرة موضوع ما وأحيانا نفقد الاهتمام بمذاكرة موضوع آخر.

غالبًا المواضيع التي تثير الاهتمام هي أسهل المواضيع في تعلمها، ليست سهولة من حيث سهولة المحتوى وإنما من حيث القابلية النفسية للعمل عليها. و العكس صحيح فالمواضيع التي تبدو لنا مملة أو لا تثير الاهتمام تكون أصعب في التعلم ولو كانت سهلة المحتوى. لماذا؟

يوجد في المخ خلايا عصبية تتشعب بين باقي خلايا المخ تعمل على التحفيز العصبي لخلايا المخ عبر افراز مركبات كيميائية ذات وظائف محددة.

على سبيل المثال، مُرَكَّب Dopamine الذي تفرزه تلك الخلايا العصبية يعمل على تحفيز خلايا المخ بناءً على استقبال المخ لأمر لخبر مفاجىء سعيد -هدية مثلا- وهو كذلك يحفز خلايا المخ عند توقعه عائد كبير في المستقبل مترتب على عمل ما.

لذا فإن معرفة “لماذا أنت مضطر لمذاكرة موضوع ما” يساعد على إفراز الـ Dopamine ليحفز خلايا مخك على الاستعداد للمذاكرة ومعالجة المعلومات. لا تذاكر بلا هدف.

هناك مُرَكَّب آخر اسمه Acetylcholine تفرزه الخلايا العصبية المذكورة أثناء عملية التركيز في محاولة الفهم و المذاكرة، يساعد هذا المركب على تنشيط عمل خلايا الذاكرة و تقويتها من أجل تفعيل الذاكرة بعيدة المدى كي تستقبل وتحتفظ بالمعلومات.

هناك مُركبات أخرى في المخ غير تلك المركبات يمكن معرفة المزيد عنها من مصادر أخرى على الانترنت.

للمزيد اطلع على موقع BrainFacts

thinkingcap


انتهى تلخيص المحاضرة الأولى من اﻷسبوع الثانى لكورس Learning How to Learn، بالطبع لم اتطرق لللقاءات المصورة  في المحاضرة الثانية وأتركها لكم لتستمتعوا بها.