/تعلّم كيف تتعلم – الجزء اﻷول

تعلّم كيف تتعلم – الجزء اﻷول

أُقدم لكم اليوم أول مُلخص لسلسلة محاضرات Learning How to Learn، والتي قمنا بنشر مقدمة بسيطة عنها.

يبدأ الأسبوع الأول بمعرفة أنماط التفكير وعلاقة النوم بالتفكير ومشاكل التسويف والموهبة وتغيير مجال العمل أو الدراسة وبيان صحة ذلك من عدمه، كما يتناول بعض أنواع الذاكرة  فى الإنسان .

أنماط التفكير

يوجد نمطين من أنماط التفكير و هما :
Focus Mode : حيث يبذل المخ جهده لحل مشكلة معينة بالتركيز فيها
Diffuse Mode :
حيث يقلب المخ المشكلة من جوانب متعددة و ينشىء روابط جديدة تساعد على حل المشكلة و الخروج بالمزيد من الأفكار.

Focus Mode
هو النمط الذي يكون عليه العقل البشري حينما يحاول استنفاد طاقته و التفكير في حل مشكلة أو فهم أمر ما. حينها يقوم العقل باستخدام ما تعلمه من قبل من مبادئ و مفاهيم لفهم المعضلة التي أمامه و إيجاد حل لها. في تلك الحالة يكون تركيز العقل منصبًا على استخدام ما تعلمه من قبل، فإن كان ما يحاول فهمه يحوي مبدأ جديد تماما عليه فقد لا يستطيع العقل إدراكه.

focus

Diffuse Mode
هو النمط الذي يكون عليه العقل البشري عندما لا يجبره الإنسان على استهلاك طاقته في التركيز في نقطة بعينها. حينها يقوم العقل بمحاولة فهم ما أُشكل عليه من قبل و النظر إلى أبعاد المشكلة من عدة زوايا بحيث يقترب من المفهوم العام لها و بذلك يقترب من تكوين مبادئ يبني عليها حل للمشكلة حينما تبدأ في حلها مرة أخرى في الـ Focus Mode.

للنجاح في إيجاد حلول لمشاكل متنوعة ينبغي للإنسان أن ينتقل ما بين النمطين. أن يركز جهده الذهني لحل تلك المشكلة مستخدمًا كل معرفته السابقة. ثم إذا فشل في حلها بعد فترة لا يستمر في التركيز بل يترك لعقله الراحلة ليعمل في الخلفية و يقلب المشكلة من عدة زوايا ليقترب من فهم مبادئها.

نمط الـ Diffuse Mode يدخل فيه العقل عندما يعطيه صاحبه الفرصة للراحة، عند الاستحمام مثلا، عند النوم، عند التريض، عند ممارسة أعمال عادية مثل الدردشة مع الأصدقاء و تقليب النظر إلى الطبيعة المحيطة … إلخ. كل هذا يساعد العقل على الدخول في الـ Diffuse Mode و بذلك يساعده على الإتيان بأفكار جديدة تساعدك على حل المشاكل التي استعصت عليك من قبل.

باختصار، أنت تشكل الروابط العصبية التي تستطيع استيعاب أفكار و مفاهيم جديدة في الـ Diffuse Mode و تستخدم تلك الأفكار و المفاهيم في حل المشاكل و المعضلات خلال الـ Focus Mode.

diffuse


حين تتململ من القيام بواجبك فإن أفضل شيء للتغلب على هذا الأمر هو إجبار نفسك على البدء بما تهرب منه و تقسيم العمل لفترات لإراحة ذهنك بما يساعدك على الإنجاز و التركيز

مشكلة التسويف
عندما تريد البدء بعمل ما أو مذاكرة موضوع غير محبب للنفس يتولد منطقة في المخ شعور بعدم الارتياح و الألم النفسي مما يجعلك تتشاغل بشىء آخر أكثر إثارة منه كي تتهرب من مذاكرة أو العمل على هذا الموضوع الأقل إثارة.

هل تجد نفسك مُقبلا على القراءة في مواضيع مختلفة في أوقات الدراسة حين المفروض أن تفرد وقت أكبر لمواد الدراسة و وقت أقل للقراءة العامة؟
هذا لأن لديك مشكلة في التسويف حيث تنفر مما أنت مجبر عليه إلى أمر محبب إلى نفسك

علاج تلك المشكلة يكمن في أمرين :
أولاً: الدراسات على تلك المشكلة خرجت بنتيجة أن إجبار نفسك على البدء في هذا الأمر الغير محبب لك يجعل هذا الشعور بعدم الارتياح يزول بعد فترة من بدء العمل عليه. لذا لا تتهرب و ورط نفسك فيه و ستجد نفسك اندمجت فيه تماما و زال الشعور بعدم الارتياح -مجرب الموضوع ده شخصيا-

ثانيًا: ضع نظامًا لنفسك بحيث لا ترهقها في العمل على هذا الأمر. غالبًا ما يستطيع الإنسان التركيز على موضوع ما خلال 25 دقيقة تقريبا قبل أن يبدأ بالإرهاق منه أو الملل من العمل عليه.
فرّغ نفسك من كل ما يشغلك و يشتت تركيزك و اضبط مؤقتك على 25 دقيقة و ابدأ العمل على ما تريد. عندما تنتهى الـ 25 دقيقة اعط لنفسك 5 أو 10 دقائق من الراحة الذهنية التامة. سواء كنت ستتحدث إلى شخص أو تقوم لإعداد بعض القهوة أو الشاي أو ستستلقي بذهن فارغ من التفكير في أي مشكلة.

خلال فترة الراحة فأنت تعطي لعقلك الفرصة كي يهضم المعلومات التي كنت تعمل عليها منذ قليل و يتحول قليلا من الـ Focus Mode إلى الـ Diffuse Mode ليعطيك مفاتيح جديدة عند العودة للعمل على ما تركته منذ قليل و بهذا تعود متجدد النشاط و بذهن أكثر قدرة على استكمال العمل على تلك المشكلة.

إرهاق ذهنك بالعمل المتواصل على مشكلة ما خاصة إن كانت صعبة ولا تجد لها حل فهذا غالبا لا يؤدي إلى حل المشكلة. يجب أن تعطي لعقلك فرصة للراحة و القيام بإعادة ترتيب الأمور و توليد أفكار جديدة عبر الخروج من التركيز في نقطة معينة إلى الاسترخاء التام.

Tired


النوم عامل هام جدا من عوامل عملية الفهم و التركيز. خلال عملية النوم يقوم المخ بالتخلص من المركبات الضارة التي تتولد أثناء إجهاده وقت الاستيقاظ كما يقوم بتحليل المعلومات و تكوين روابط عصبية جديدة تعطيك إمكانيات أفضل للفهم و التحليل.

النوم … أحد أهم مكونات عملية الفهم و تعلم المهارات -و أكثرها شعبية في الواقع

طوال فترة اليقظة و استهلاك العقل المتكرر في التفكير و حل المعضلات الصعبة تنشأ من تلك العملية مركبات تعيق عمل المخ و يتسبب تراكمها داخل ألياف المخ إعاقة لكفاءة عملية التفكير و التحليل و كفاءة استخدام قدرات المخ على الوجه الأمثل.

لهذا نصل إلى آخر اليوم مرهقين ذهنيا خاصة مع يوم مزدحم بالعمل ولا نعد قادرين على مواصلة استخدام المخ في الـ Focus Mode بفعالية كما كنا نفعل من قبل و بالتالي نلجأ فطريا إلى أخذ قسط من الراحة و النوم.

خلال عملية النوم يقوم المخ بعمل التالي
أولاً: يقوم بتنظيف نفسه و التخلص من تلك المركبات التي تعيق عمله و سحبها من داخل ألياف المخ بحيث تستيقظ مستعيدًا لنشاطك الذهني مستعدًا ليوم جديد من العمل و الإجهاد.
الأمر يشبه تنظيف تانك السيارة من الشوائب و الترسبات الضارة التي تقلل من كفاءة احتراق الوقود. عندما يكون التانك متسخًا مليئًا بالشوائب تكون عملية الاحتراق سيئة و بالتالي لا يعمل موتور السيارة بالكفاءة المرجوة.

ثانيًأ: يقوم المخ بالدخول في الـ Diffuse Mode و تحليل المشاكل التي كنت تواجه فيها صعوبات في فترة اليقظة و تكوين روابط جديدة بين الخلايا العصبية تساعد على حل تلك المشاكل بأفضل مما لم تستطع من قبل. أي أن المخ بيعمل update للروابط العصبية أثناء فترة النوم لمواجهة التحديات بشكل أفضل

عندما تحرم نفسك من النوم فأنت بهذا تحرم نفسك من الحصول على تلك المميزات و تؤذي عقلك كثيرا. إضافة إلى أن هناك العديد من الأمراض مرتبط بقلة النوم مثل الاضطرابات في الوظائف العصبية, الضغط, القلب, … الخ.

هل عندك امتحان صباحًا و تريد رفع كفائتك داخل لجنة الامتحان؟
ذاكر جيدًا و اجتهد قبل الامتحان و راجع المادة قبل موعد النوم فأنت تعطي المخ فرصة كي يحلم بما ذاكرت و يحلله لتصبح بعد النوم أكثر كفاءة. كما أنك تعطيه الفرصة لاستعادة نشاطه و التخلص من المركبات التي تقلل من كفاءته و قد تعيق قدرتك على الحل جيدًا في لجنة الامتحان

أما إذا أصررت على عدم إراحة عقلك و النوم فترة كافية … فلا تلومنّ إلا نفسك -_-

sleep


ذاكرة اﻹنسان
يوجد في مخ الإنسان أنواع مختلفة من الذاكرة. الأمر أشبه بأنواع ذاكرة الحواسيب حيث تجد Volatile memory such as RAM و Non-volatile memory such as hard disks and flash disks .

يوجد أيضا في مخك ذاكرة مؤقتة تحتفظ بمعلومات قليلة لفترة وجيزة و ذاكرة مستديمة تحتفظ بالمعلومات لفترة طويلة جدا و هي أشبه بمخزن معلومات كبير.

حينما تستخدم ذاكرتك المؤقتة فينبغي عليك تكرار ما تريد الاحتفاظ بها كي لا تنسي, مثلا عندما تريد حفظ رقم تليفون لم تحفظه من قبل و تريد الاحتفاظ به في رأسك لحين كتابته في ورقة. فأنت تكرره كي لا تنساه حتى تكتبه.

أما ذاكرتك المستديمة فأنت تحفظ فيها كل المبادىء و المفاهيم الأساسية التي تتعلمها في حياتك، مثلاً مبادئ الرياضيات الأساسية، العلوم التي تستعملها في عملك، أسماء الأصدقاء و الأقارب، مبادئ العلوم التي تعلمتها من قبل … الخ.

أيضًا كي تحتفظ بتلك المبادىء فعليك استذكارها جيدًا و تكرارها كثيرًا كي تثبتها في ذاكرتك المستديمة و تحتفظ بها لتستعملها فيما بعد.

إذًا ما هي الوسيلة الأمثل كي تحفظ مبادئ و معلومات جديدة في الذاكرة و تحتفظ بها أطول فترة ممكنة؟

بالتأكيد التدريب و التكرار أمر أساسي، و لكن استنتجت التجارب في هذا الشأن أمرا هامًا، إذا كنت ستحتاج إلى تكرار معلومة ما 20 مرة -مثلاً- كي تحفظها فإن تكرارها 20 مرة موزعة على فترات متباعدة أكثر فاعلية بكثير في تثبيت المعلومة من تكرارها 20 مرة في يوم واحد أو دفعة واحدة.

عندما تحتفظ بمعلومة في خلايا مخك فتلك المعلومة مع الوقت تبهت و تضعف داخل الذاكرة خاصة أنك تحفظ غيرها و تتعلم مهارات جديدة و تتغير روابط الخلايا العصبية داخل مخك باستمرار,، لذا فإنك عندما تؤكد على المعلومة كلما ضعفت و تقويها أفضل بمراحل من أن تكررها كثيرًا مرة واحدة ثم تتركها اعتمادًا على حفظك في تلك المرة.

تذكر أيضا فائدة النوم في تكوين روابط عصبية جديدة و تقوية المعلومات و الخبرات المهمة التى تعلمتها خلال اليوم فأنت عندما تكررها على أيام متباعدة فأنت تستفيد من مميزات النوم في تقويتها و الاحتفاظ بها.

إذًا لكي تحتفظ بمعلومة و تنقلها من الذاكرة المؤقتة للذاكرة المستديمة فأنت تكررها و تذكّر نفسك بها على فترات متباعدة. و لكي تستخدم معلومة أو مبدأ مهم في حل مشكلة ما فأنت تسترجعها من الذاكرة المستديمة إلى الذاكرة المؤقتة لتستعملها في حل المشكلة التى تعمل عليها.

Memory Comic


الفقرة الآتية بقلم م. محمد حجاج

هل من الممكن للشخص أن يغير مجاله نهائيًا بعد أن يحصل على درجة الدكتوراة فيه؟ كأن ينتقل للأحياء بعد الحصول على الدكتوراة في الفيزياء؟ وهل يمكنه أن يتميز في المجال الجديد؟

الإجابة هي: Terrence J. Sejnowski (“ترينس سيناوسكي”، هكذا سمعت نطق الاسم)

خذ نفس عميق
بعد أن حصل على الدكتوراة في الفيزياء بجامعة برينستون Princeton University، انتقل للعمل في قسم الأحياء بنفس الجامعة، بعدها انتقل للعمل في قسم البيولوجيا العصبية Neurobiology في مدرسة الطب بجامعة هارفارد Harvard Medical School، ثم قسم الفيزياء الحيوية Biophysics بجامعة جونز هوبكينز Johns Hopkins University.

يعمل Terrence الآن كبروفيسور للعلوم الحيوية، وبروفيسور ملحق بأقسام العلوم العصبية، علم النفس، العلوم الإدراكية، علوم الحاسب، والهندسة بجامعة كاليفورنيا بسان دييجو، ومدير معهد الحوسبة العصبية Institute for Neural Computation بنفس الجامعة. من الجدير بالذكر أنه أحد 10 أشخاص على قيد الحياة في العالم ممن تم انتخابهم للإنضمام للأكاديميات الوطنية الثلاثة في الولايات المتحدة للعلوم، الهندسة، والطب.

الآن يمكنك إخراج النفس!


انتهى تلخيص المحاضرة الأولى من كورس Learning How to Learn، هناك جزء لم أقم بتلخيصه و هو انترفيو مع عالم كبير من علماء الـ Computational Neurosciences . سأدع هذا الجزء للقارئ ليشاهده على صفحة الكورس كنوع من التحفيز و التشويق.

[divider scroll_text=” “]